خلافات حادة بين أوروبا وواشنطن بسبب حرب إيران – أخبار السعودية
بعد أسابيع من تلقي الزعماء الأوروبيين سيلًا متواصلاً من الانتقادات والازدراء والسخرية من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن حرب إيران، بدأت أوروبا في الرد بقوة، مع بروز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كأكثر الزعماء وحدة في هذا الصدام، في مؤشر على تصاعد التوترات بين ضفتي الأطلسي.
ففي تصريحات أدلى بها أمس الخميس، خلال زيارته لكوريا الجنوبية، هاجم ماكرون ترمب بشدة، متهماً إياه باتباع نهج غير جاد في الحرب، وشن هجمات غير مفيدة على حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وقال ماكرون: «عندما نكون جادين، لا نقول عكس ما قلناه في اليوم السابق».
وأضاف: «نحن نتحدث عن حرب، ونتحدث اليوم عن رجال ونساء في ساحة القتال، وعن مدنيين يُقتلون. كما نتحدث عن تأثير هذه الحرب على اقتصاداتنا».

تصاعد الخلافات الأوروبية الأمريكية
وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز» يُعد هذا العرض الصريح للغضب لافتاً، خصوصا أنه صادر عن زعيم طالما فخر بقدرته على التعامل بلباقة مع الرئيس الأمريكي وتقلباته، لكنه يعكس في الوقت نفسه تصاعد حالة التحدي داخل أوروبا، التي كانت تحاول سابقاً التوفيق بين تحفظاتها العميقة على الحملة العسكرية وبين رغبتها في عدم استفزاز ترمب.
وتتصاعد التوترات حول استخدام المجال الجوي الأوروبي والقواعد العسكرية، حيث رفضت عدة دول السماح للطائرات الأمريكية أو الإسرائيلية بالمرور أو الاستخدام في مهمات هجومية. وحتى زعماء الدول الموالية تقليدياً للولايات المتحدة، مثل بريطانيا، يتحدثون علناً عن ضرورة أن توفر أوروبا أمنها بنفسها، بعيداً عن الاعتماد على أمريكا.
خلاف حول مضيق هرمز
وحتى الجهود الأوروبية لتشكيل تحالف لحماية ممرات التجارة الحيوية في مضيق هرمز – والتي بدأت استجابة لطلب ترمب بمزيد من الدعم الأوروبي – تحولت إلى دليل على أن أوروبا تسير في طريقها الخاص.
فقد رفض الزعماء الأوروبيون، خلال اجتماع هاتفي الخميس، نظمته الحكومة البريطانية، دعوة ترمب للسيطرة العسكرية على المضيق الذي أغلقته إيران فعلياً، أو اتخاذ أي إجراء قبل انتهاء النزاع.
وقال ماكرون في هذا السياق: «هذا لم يكن الخيار الذي اخترناه أبداً، ونعتبره غير واقعي». وأوضح أن السيطرة على المضيق ستستغرق وقتاً لا نهائياً، وستعرض السفن المارة لهجمات إيرانية.
ورغم كل الإهانات التي وجهها ترمب لأوروبا، حاول الزعماء الأوروبيون عدم تحويل الأمر إلى مسألة شخصية. وحتى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي أبدى أكبر قدر من الانتقاد العلني للحرب على إيران، نادراً ما يذكر اسم ترمب مباشرة في تصريحاته.
توتر شخصي بين الزعيمين
لكن الخلاف بين ماكرون وترمب بدا أكثر مرارة لأنه يحمل طابعاً شخصياً يتعلق بزوجة الرئيس الفرنسي بريجيت ماكرون.
وكان ماكرون يرد جزئياً على تصريحات أدلى بها ترمب خلال غداء عيد الفصح الأربعاء، تضمنت إشارة مهينة إلى حادثة فيديو سابقة يظهر فيها بريجيت ماكرون وهي تدفع زوجها.
وقال ماكرون، وقد بدا غاضباً بوضوح أمام الصحفيين في سول: «هذه التصريحات لم تكن أنيقة ولا تليق بمستوى الرئيس»، وأضاف: «لذلك لن أرد عليها، فهي لا تستحق الرد».
بهذا التعليق، التزم ماكرون بسياسة «الخد الآخر» التي اتبعها زعماء أوروبيون آخرون، مثل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي يتجاهل بهدوء سخرية ترمب منه بأنه «ليس ونستون تشرشل»، لكن ذلك لم يمنع ماكرون من توجيه انتقادات حادة لقيادة ترمب في الحرب ولطريقته في التعامل مع الناتو.
وتجاهل ماكرون التهديد الأخير لترمب بتنفيذ ضربات جوية مدمرة ضد إيران، الذي أطلقه في خطاب تلفزيوني الأربعاء. وقال: «لست هنا للتعليق على عملية قررها الأمريكيون مع الإسرائيليين بمفردهم، يمكنهم لاحقاً الشكوى من عدم تلقي الدعم في عملية قرروها لوحدهم إنها ليست عمليتنا».
لكنه أبدى رأيه في الهجمات المتزايدة لترمب على الناتو، والتي اتهم فيها الحلف بعدم مساعدة الولايات المتحدة، وهدد بالانسحاب منه، وقال ماكرون إن هذه الانتقادات تضعف الحلف: «إذا أثير الشك يومياً حول التزامك، فإنك تفرغه من محتواه».

مخاوف على مستقبل الناتو
وبدأ مسؤولون أوروبيون آخرون يتحدثون عن التأثير التراكمي لانتقادات ترمب المتكررة للناتو، وقال المتحدث باسم المستشار الألماني فريدريش ميرتس: «هذه ليست المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك، وبما أنها ظاهرة متكررة، يمكنكم تقييم العواقب بأنفسكم».
وتُعد علاقة ماكرون بترمب من أكثر العلاقات كثافة بين زعيم أوروبي والرئيس الأمريكي، خصوصا أن ماكرون يتعامل معه للمرة الثانية بعد تسع سنوات في السلطة، بدأت العلاقة بمصافحة طويلة شهيرة عام 2017، ثم توثقت خلال عرض عسكري في يوم الباستيل بباريس، لكنها تدهورت لاحقاً بسبب الرسوم الجمركية والخلافات.
وخلال الولاية الثانية لترمب، ساءت العلاقة مرة أخرى بعد الضربة الإسرائيلية على إيران عام 2025، حيث اتهم ترمب ماكرون بأنه «دائماً يخطئ»، وفي يناير الماضي، نشر ترمب لقطات شاشة لرسائل من ماكرون. ثم بدا أن هناك انفراجاً مؤقتاً في منتصف مارس، عندما وصف ترمب ماكرون بأنه «8 من 10».
تحول في العلاقات عبر الأطلسي
لكن رفض فرنسا المشاركة بشكل أعمق في الحرب أعاد توتر العلاقة، ووصل إلى أدنى مستوى جديد مع سخرية ترمب من حادثة زوجته، التي نفى ماكرون أن تكون خلافاً.
وتشير هذه التطورات إلى مرحلة جديدة من التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، حيث باتت الدول الأوروبية أكثر جرأة في التعبير عن رفضها للسياسات الأمريكية، مع سعي متزايد لبناء نهج مستقل في الأمن والدفاع.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا التباعد قد يعيد تشكيل التحالفات الدولية، خصوصا إذا استمرت الحرب في إيران وتصاعدت تداعياتها السياسية والاقتصادية عالميًا.
للمزيد من المقالات
اضغط هنا
