التخطي إلى المحتوى

بنك دم الاقتصاد العالمي

يدخل جسم الإنسان في حالة انهيار تنطوي على تسارع حاد في ضربات القلب وانخفاض شديد في الضغط عندما يفقد 20% أو أكثر من دمائه، في حالة تعرف باسم “صدمة نقص حجم الدم” أو “Hypovolemic shock”.

 

في مثل هذه الحالة، يتطلب الأمر تحركًا سريعًا وحذرًا لوقف السبب وراء هذه الصدمة، ومنعها من الوصول إلى الدرجة المميتة، أو على الأقل تجنب الأعراض الخطيرة لها والتي تستدعي تدخلات طبية استثنائية.

 

 

للأسف في بعض حالات الصدمة العنيفة يكون نقل الدم ضرورة عاجلة لتعويض ما فقده الجسم، لكن بطبيعة الحال، فإن نقل الدم دون علاج السبب في فقدانه أشبه بإغلاق باب منزل تهدمت جدرانه.

 

يعمل الاقتصاد العالمي بشكل أشبه بالجسم البشري، حيث يستهلك النفط من أجل تشغيل مراكزه الحيوية، وفي حال تعرضه لـ “صدمة نقص حجم الوقود” لفترة من الوقت، فإنه سيكون بحاجة إلى إمدادات عاجلة من خارج القنوات الإنتاجية التقليدية.

 

وهنا يأتي دور مخزونات النفط الاستراتيجية، التي تراكمها الدول غير المنتجة أو المستوردة بشكل صاف، وذلك بهدف التخفيف من الآثار الاقتصادية السلبية لنقص الإمدادات أو انقطاعها خلال الصدمات.

 

وإدارة هذه المخزونات، التي تعمل كبنوك دم في حالات الطوارئ، هو أحد الأدوار الرئيسية لوكالة الطاقة الدولية التي تأسست عام 1974 عقب أزمة النفط في عام 1973.. لكن هل ينجح هذا النهج في معالجة أزمة الاقتصاد العالمي؟

 

كم حجمها؟ ومن يمتلكها؟

– الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية هي مخزونات من الخام تحتفظ بها الحكومات لحالات الطوارئ، وتُلزم قواعد وكالة الطاقة الدولية (منذ عام 1974) معظم الدول الأعضاء بالاحتفاظ بمخزون يكفي لتغطية 90 يومًا على الأقل من صافي وارداتها.

 

– على الصعيد العالمي، بلغت مخزونات الطوارئ مستويات ضخمة، إذ تمتلك الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية أكثر من 1.2 مليار برميل من النفط الخام الخاضع لسيطرة حكوماتها، ونحو 600 مليون برميل من مخزونات الشركات، وإجمالًا تعادل هذه المخزونات عامين تقريبًا من صافي الواردات.

 















مجموعة من أكبر الدول امتلاكًا للمخزونات الاستراتيجية من النفط

الدولة

حجم المخزون الاستراتيجي


(مليون برميل)

ملحوظة

الولايات المتحدة

415

– أقل من مستوى الذروة البالغ 727 مليون برميل في 2009.


– يغطي 125 يومًا من الواردات تقريبًا.


– إذا أضيفت المخزونات التجارية والمنتجات المكررة تقفز المخزونات إلى أكثر من 1.6 مليار برميل.

الصين

400

– إلى جانب المخزونات التجارية تغطي إجمالًا 100 يوم من الواردات.

اليابان

260

– يضاف لذلك مخزونات تجارية قرابة 200 مليون برميل.


– تغطي إجمالًا 146 يومًا تقريبًا من الواردات.

فرنسا

120

– تشمل مخزونات خام ومنتجات مكررة.

إسبانيا

120

– يغطي 90 يومًا من الواردات.

ألمانيا

110

– يضاف لذلك 67 مليون برميل من المنتجات النفطية.


 


– يكفي لتلبية الاستهلاك لمدة 110 أيام.

كوريا الجنوبية

93

– يغطي الاستهلاك لمدة شهر تقريبًا.

إيطاليا

76

– تغطي 90 يومًا من الواردات.

المملكة المتحدة

68

– يتكون من نفط خام بالإضافة إلى منتجات مكررة.

الهند

37

– يغطي 9 أيام فقط، لكن التغطية ترتفع إلى 74 يومًا مع الأخذ في الاعتبار المخزونات التجارية.

 

– إن إجمالي المخزونات الطارئة (الحكومية والصناعية) البالغ 1.8 مليار برميل للدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية، يكفي (نظريًا) لتعويض خسارة قدرها 20 مليون برميل يوميًا لمدة 90 يومًا.

 

– تقدر الوكالة إجمالي المخزونات العالمية بنحو 8.2 مليار برميل، وتقول إنها توفر “هامش أمان كبيرا ضد أي اضطرابات محتملة”. يعادل ذلك 82 يومًا تقريبًا من الاستهلاك العالمي البالغ نحو 100 مليون برميل يوميًا.

 

ماذا عن قدرات التخزين؟

– بدأت الولايات المتحدة في بناء الاحتياطي الخاص بها عام 1977، وهو الآن الأكبر عالميًا، ويخزن في أربعة كهوف محلية على ساحل المكسيك، مع قدرة استيعابية تتجاوز 700 مليون برميل.

 

– في المقابل يصعب التحقق من حجم احتياطيات الصين الاستراتيجية والتجارية، لكن التقديرات تشير إلى أنها سعة التخزين الإجمالية لديها تبلغ 1.8 مليار برميل. أنشأت بكين أول موقع تخزين عام 2006، وبحلول عام 2017 كان لديها تسعة مواقع.

 

– في عام 2025، قدّر المحللون الاحتياطيات الاستراتيجية الصينية بنحو 400 مليون برميل، بالإضافة إلى حوالي 670 مليون برميل في الاحتياطيات التجارية، ليبلغ إجمالي المخزونات الصينية ما يتراوح بين 1.1 مليار إلى 1.2 مليار برميل.

 

– أما اليابان التي تمتلك أحد أكبر المخزونات الاستراتيجية في العالم، فأصدرت أولى القوانين المنظمة لعملية بناء الاحتياطي عام 1975، وإجمالًا يكفي مخزونها (الحكومي والتجاري) لتغطية 240 يومًا من الاحتياجات.

 

– على الرغم من أن كوريا لديها 93 مليون برميل من الاحتياطي، فإن سعة المستودعات لديها تكفي لاستيعاب 146 مليون برميل، وتستخدم هذه الطاقة الفائضة لتخزين نحو 26.6 مليون برميل لدول أخرى.

 

 

– تحتفظ دول أخرى عضوة في الوكالة، مثل أستراليا، باحتياطيات تكفي لحوالي 3 أسابيع فقط، في حين أن احتياطيات نيوزيلندا ضئيلة للغاية، إذ تبلغ 1.2 مليون برميل، فيما لا يحتفظ العديد من المنتجين الرئيسيين باحتياطيات استراتيجية محددة (لأنهم بطبيعة الحال مُصدِّرون صافون).

 

من يحتفظ بالنفط؟

– تدخل الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، بحكم تصميمها، ضمن مفهوم المخزونات السيادية، إلا أن العديد من الدول تسمح باستخدامها من قبل جهات أجنبية بموجب اتفاقيات.

 

– على سبيل المثال، تتيح اتفاقيات التخزين الآجل للمصدرين شراء مساحات تخزين في الخارج، إذ تشمل الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية لكوريا الجنوبية والولايات المتحدة براميل مملوكة لدول أخرى، وتؤجر الهند مساحات تخزين لمنتجين أجانب.

 

– كما توجد اتفاقيات ثنائية لتقاسم المخزونات، فمثلًا وافقت اليابان على بيع النفط الطارئ لنيوزيلندا عند الطلب، ولدى اليابان وكوريا الجنوبية اتفاقيات دعم متبادل، ولدى الولايات المتحدة اتفاقية عام 1975 لتزويد إسرائيل بالنفط في حالات الطوارئ (لمدة تصل إلى 5 سنوات).

 

– في أوروبا، حافظت فرنسا وألمانيا وإيطاليا على مخزونات مشتركة لفترة طويلة، كانت في الأصل تكفي لتلبية احتياجات 65 يومًا، ثم رُفعت إلى 90 يومًا عام 1972. خصصت المملكة المتحدة نحو 15% من مخزونها كاحتياطيات مملوكة لجهات أجنبية في يوليو 2025.

 

 

ماذا عن عمليات السحب؟

– أعلنت الوكالة الدولية للطاقة عن عملية سحب تاريخية قبل يومين، والتي سيبلغ حجمها 400 مليون برميل، ومع ذلك، فإن هذا الإعلان رغم ضخامته فشل في احتواء المخاوف بشأن الإمدادات العالمية.

 

– هذه سادس مرة تجري فيها الوكالة عملية سحب جماعية منسقة، حيث كانت أول مرة خلال حرب الخليج عام 1991، ثم بعد إعصاري كاترينا وريتا عام 2005، وخلال الحرب الأهلية في ليبيا عام 2011، ومرتين عقب اندلاع الحرب الأوكرانية في عام 2022.

 

– في التاسع من مارس، نقلت “رويترز” عن محللين قولهم إن الحرب خفضت بالفعل إمدادات النفط العالمية بمقدار 200 مليون برميل خلال عشرة أيام، وهو ما يعادل 20 مليون برميل يوميًا أو 20% من الإمدادات.

 

– يتماشى ذلك مع تقديرات “شاؤول كافونيك” محلل الطاقة لدى “إم إس تي ماركي”، الذي يقول إن عملية السحب القياسية تغطي فقط ربع فجوة الإمداد البالغة 20 مليون برميل يوميًا.

 

الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” أكد أيضًا أن هذه الكمية تغطي إمدادات 20 يومًا فحسب.

 

– تشير تقديرات إلى تداعيات أقل وطأة، مثل وكالة الطاقة التي تقول إن الأثر الإجمالي لشهر مارس سيتمثل في انخفاض الإمدادات العالمية بمقدار 8 ملايين برميل يوميًا.

 

ومحللون آخرون يقولون 10 ملايين برميل.

 

– لكن في الحقيقة؛ المعضلة الجوهرية المتعلقة بخطط السحب لمعالجة صدمة النفط الحالية ليست فقط الكمية، وإنما وتيرة السحب، فمنشآت التخزين تلك لها قدرة سحب تشبه مواقع الإنتاج، فمثلًا تتمتع مستودعات التخزين الأمريكية بمعدل سحب يبلغ 4.4 مليون برميل يوميًا.

 

 

– أيضًا الخطط الحكومية لمعالجة عملية السحب قد تشكل رسالة مختلفة للسوق مهما كانت الكمية المعلنة كبيرة، مثل إعلان أمريكا أنها ستسحب 172 مليون برميل من الاحتياطي (43% من الكمية التي أعلنت عنها وكالة الطاقة).

 

– هذه الكمية تبدو ضخمة، لكن الحكومة الأمريكية قالت إنها ستضخها على مدار 120 يومًا، بوتيرة تبلغ 1.43 مليون برميل يوميًا.

 

وإذا افترضنا أن إجمالي الكمية المعلن عنها من الوكالة (400 مليون برميل) ستضخ خلال نفس المدة، فسيبلغ معدل السحب 3.33 مليون برميل يوميًا.

 

– هذا يفسر سبب عدم تفاعل أسواق النفط بشكل إيجابي مع إعلان الوكالة وارتفاع الأسعار فوق 100 دولار للبرميل، ناهيك عن المخاوف المرتبطة بطول أمد الأزمة وحاجة خطوط الإمداد لوقت قبل العودة للعمل بكامل طاقتها.

 

– تشبه الصدمة النفطية الجيوسياسية إلى حد كبير صدمات نقص حجم الدم؛ فتعويض ما فُقد من الإمدادات قد يخفف بعض الأعراض مؤقتًا، لكنه لا يعالج أصل المشكلة. ما يحتاجه الاقتصاد العالمي ليس مجرد “نقل دم”، بل وقف النزيف نفسه.. قبل أن تصبح الصدمة أكثر خطورة.

 

المصادر: أرقام- كليفلاند كلينك- إدارة معلومات الطاقة- فرانس 24- وول ستريت جورنال- رويترز- بلومبرج- الوكالة الدولية للطاقة- بيانات وزارة الطاقة الأمريكية- بترو أونلاين- جيه كيمب إنرجي- إس آند بي جلوبال- فيتش

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *