كيف يصنع المؤثرون أنماط استهلاكية تتجاوز الواقع؟
“منزل أنيق يضم أثاثًا فخمًا وجذابًا، سيارة رياضية حديثة مزودة بأفضل التكنولوجيا، وهاتف ذكي من أحدث الإصدارات”، كان امتلاك أحد هذه العناصر أو ما يشبهها من الكماليات يعد رمزًا من رموز الرفاهية.
لكن بفضل المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت هذه المظاهر الآن تقدم باعتبارها أشياء أساسية ضمن نمط الحياة اليومية.
فخلال العقد الماضي، تحوّل المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي من مجرد صناع محتوى رقمي إلى فاعلين اقتصاديين قادرين على تشكيل أنماط الاستهلاك العالمية.
وبدلًا من أن تعتمد الشركات فقط على الإعلانات التلفزيونية أو الحملات التسويقية التقليدية، أصبحت اليوم تستثمر بشكل متزايد في التعاون مع المؤثرين للوصول إلى جماهير ضخمة عبر منصات مثل إنستغرام وتيك توك ويوتيوب.
هذا التحول لم يكن هامشيًا، بل أصبح جزءًا أساسيًا من اقتصاد الإعلان العالمي.
فبحسب بيانات ستاتيستا، تجاوزت قيمة سوق التسويق عبر المؤثرين عالميًا 32 مليار دولار أمريكي في عام 2025، مقارنة بأقل من 10 مليارات دولار فقط في عام 2020، ما يعكس واحدًا من أسرع القطاعات نموًا في صناعة التسويق الرقمي.
ويأتي هذا التحول في وقت يضم فيه العالم أكثر من 50 مليون صانع محتوى رقمي، وفق تقديرات اقتصاد صناع المحتوى، بينما يقضي المستخدمون مليارات الساعات يوميًا على منصات مثل تيك توك وإنستجرام ويوتيوب.
لكن التأثير الحقيقي لهذه الظاهرة يتجاوز ميزانيات الإعلان، فالمؤثرون لا يروجون للمنتجات فحسب، بل يعيدون تشكيل تصورات المستهلكين عن أنماط الحياة والنجاح والرفاهية.
وفي كثير من الأحيان، يؤدي هذا إلى خلق طلب استهلاكي يتجاوز الواقع الاقتصادي الفعلي، فيما يمكن وصفه بـ “اقتصاد الوهم”؛ وهو نظام اقتصادي تصبح فيه الصور الرقمية والقصص الشخصية محركًا فعليًا للطلب في الأسواق.
لماذا يثق الناس بالمؤثرين أكثر من الخبراء؟
يختلف تأثير المؤثرين جذريًا عن الإعلانات التقليدية. ففي الإعلانات الكلاسيكية، يدرك المستهلك بوضوح أنه يتعرض لرسالة تسويقية صادرة عن شركة. أما في عالم المؤثرين، فإن الرسالة غالبًا ما تأتي في سياق شخصي يبدو طبيعيًا وغير تجاري.
وفي هذا الإطار، أوضح أستاذ الاقتصاد السلوكي وعلم النفس في جامعة ديوك (Duke University)، ومؤلف كتاب (لا عقلاني بوضوح) “دان آريلي”، تصريحات خاصة لـ “أرقام” أن صعود المؤثرين يرتبط بتحول أوسع في طبيعة الثقة داخل المجتمعات الحديثة.
ويشير “آريلي” إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا تدريجيًا في ثقة الجمهور بالمؤسسات التقليدية والخبراء، وهو ما خلق فراغًا معلوماتيًا ملأته وسائل التواصل الاجتماعي وشخصياتها المؤثرة.
وأوضح أن التجارب السلوكية التي أجراها حول قرارات الاستهلاك أظهرت أن الأفراد يميلون إلى التأثر بتوصيات أشخاص يشبهونهم أكثر من تأثرهم بتوصيات الخبراء.
ففي إحدى التجارب التي تضمنت تقييمات للنبيذ، تبيّن أن المشاركين كانوا أكثر تأثرًا بتقييمات أشخاص عاديين يشبهونهم مقارنة بتقييمات خبراء متخصصين، حتى عندما كانت تقييمات الخبراء أعلى.
ويرى “آريلي” أن هذا الميل النفسي يفسر جزءًا كبيرًا من نجاح المؤثرين، إذ يظهرون للجمهور كأشخاص عاديين يشاركون تفاصيل حياتهم اليومية، ما يخلق إحساسًا بالثقة والانتماء، كما يشير إلى عامل نفسي آخر يعزز هذا التأثير، وهو تأثير الألفة.
وأوضح أن أبحاث العلوم الاجتماعية تظهر أن التعرض المتكرر لشخص أو علامة تجارية يزيد درجة الإعجاب بها بمرور الوقت، مضيفًا أنه مع التكرار المستمر لظهور المؤثرين عبر منصات التواصل، تتزايد درجة الألفة معهم، ما يجعل الجمهور أكثر قابلية لتقبل توصياتهم.
من الإعلانات إلى العلاقات الرقمية
وحول التسويق عبر المؤثرين تقول جيل أفري الباحثة في هارفارد بزنس سكول لـ “أرقام“، إن أحد أهم أسباب قوة هذا النموذج هو ما يعرف بـ العلاقات الطفيلية وهي علاقة نفسية يشعر فيها المتابع بأنه يعرف المؤثر بشكل شخصي، رغم أن العلاقة في الواقع أحادية الاتجاه.
هذا الإحساس بالقرب العاطفي يخلق مستوى من الثقة يشبه علاقة الصداقة، ما يجعل الرسائل التسويقية التي يقدمها المؤثرون تبدو أكثر صدقية وأقل تجارية مقارنة بالإعلانات المباشرة من الشركات.
ونتيجة لذلك، تصبح توصيات المؤثرين أكثر قدرة على جذب الانتباه والتأثير في قرارات الشراء.
وقد انعكس هذا التحول على استراتيجيات الشركات الكبرى. فشركة الملابس الرياضية البريطانية جيم شارك (Gymshark)، على سبيل المثال، اعتمدت منذ تأسيسها على مؤثري اللياقة البدنية للترويج لمنتجاتها عبر الإنترنت.
وبفضل هذه الاستراتيجية الرقمية، تجاوزت إيرادات الشركة 500 مليون جنيه إسترليني (673 مليون دولار أمريكي) في عام 2023.
كما يمثل نجاح علامة كايلي كوزمتيكس التي أسستها المؤثرة “كايلي جينر” مثالًا آخر على قوة التأثير الرقمي.
فعند إطلاق أول منتجاتها عام 2015، نفدت الكمية المطروحة خلال دقائق، وهو ما أبرز قدرة الجمهور الرقمي على تحويل التفاعل الاجتماعي إلى طلب اقتصادي فوري.
عندما يتحول نمط الحياة إلى إعلان
القوة الأساسية للمؤثرين لا تكمن فقط في حجم جمهورهم، بل في الطريقة التي يقدمون بها المنتجات. فبدلًا من عرض المنتج كإعلان منفصل، يظهر غالبًا كجزء طبيعي من حياة المؤثر اليومية.
وبحسب “جيل أفري”، فإن هذا الدمج بين المحتوى الشخصي والرسائل التجارية يجعل الجمهور أقل إدراكًا لكون الرسالة إعلانًا مدفوعًا، وهو ما يقلل من مقاومة المستهلكين للإقناع ويزيد احتمالات الشراء.
عندما يتم عرض المنتج ضمن سياق نمط حياة جذاب -مثل السفر الفاخر أو الموضة الراقية- قد يؤدي ذلك إلى خلق طلب يتجاوز الحاجة الفعلية للمنتج.
فالمتابعون لا يشترون المنتج فقط، بل يشترون الفكرة أو الصورة الاجتماعية المرتبطة به.
وقد ساهمت هذه الآلية في تسريع انتشار الاتجاهات الاستهلاكية على مستوى العالم.
فشركة الأزياء الرقمية شين، على سبيل المثال، بنت جزءًا كبيرًا من انتشارها العالمي من خلال حملات المؤثرين على منصات مثل تيك توك وإنستجرام، حيث يعرض صانعو المحتوى الملابس في مقاطع قصيرة تحاكي أسلوب الحياة اليومية.
كما أصبح للمؤثرين تأثير متزايد حتى في صناعة الموضة الفاخرة، ففي مهرجان “كان” السينمائي لعام 2025، بلغت القيمة الإعلامية للمحتوى الذي نشره المؤثرون على منصة إنستجرام نحو 203 ملايين دولار وفق تقديرات تقارير صناعة الموضة.
ومع توسع هذا النموذج، أصبحت الاتجاهات الاستهلاكية تنتشر بسرعة غير مسبوقة، فمنتج واحد قد يتحول إلى ظاهرة عالمية خلال أيام قليلة إذا نجح في الانتشار عبر خوارزميات المنصات الرقمية.
الاقتصاد المتسارع للاتجاهات
ومع توسع اقتصاد المؤثرين، أصبح المحتوى الرقمي قادرًا على خلق موجات طلب سريعة على منتجات معينة. فبعض المؤثرين يمتلكون جماهير قد تفوق في حجمها جماهير بعض وسائل الإعلام التقليدية، ما يمنحهم قدرة كبيرة على تحفيز الطلب.
ووفق “جيل أفري”، يؤدي هذا النموذج إلى تسارع دورات الاستهلاك في الأسواق. فالمنتجات أو الاتجاهات قد تنتشر بسرعة كبيرة ثم تختفي بالسرعة نفسها، ما يخلق بيئة سوقية أكثر تقلبًا مقارنة بالنماذج التقليدية.
وقد دفع هذا التحول الشركات إلى تغيير استراتيجيات الإنتاج والتسويق. فشركات الأزياء السريعة على سبيل المثال أصبحت تطلق مجموعات جديدة بوتيرة أسرع بكثير لمواكبة الاتجاهات التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
لكن هذا النمو السريع رافقه أيضًا ظهور تحديات تنظيمية واقتصادية. فقد فرضت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية قواعد تلزم المؤثرين بالإفصاح عن العلاقات التجارية مع العلامات التجارية باستخدام وسوم مثل إعلان أو دعم بهدف تعزيز شفافية الإعلانات الرقمية.
كما ظهرت مخاوف متزايدة بشأن الاحتيال في هذا القطاع، مثل شراء المتابعين الوهميين أو تضخيم معدلات التفاعل، وهو ما قد يؤدي إلى تضليل الشركات بشأن التأثير الحقيقي لبعض الحسابات.
ومع توسع السوق، يتوقع خبراء الصناعة أن تتجه الشركات نحو علاقات تعاون طويلة الأمد وأكثر شفافية مع المؤثرين، إلى جانب تطوير أدوات تحليل أكثر دقة لقياس التأثير الحقيقي للحملات الرقمية.
استطاع المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي خلال فترة قصيرة نسبيًا أن يتحولوا إلى قوة اقتصادية قادرة على إعادة تشكيل أنماط الاستهلاك العالمية.
فمن خلال الجمع بين المحتوى الشخصي والتسويق الرقمي، استطاعوا بناء نموذج جديد للإعلان يعتمد على الثقة والعلاقة العاطفية مع الجمهور.
لكن هذا النموذج لا يخلق فقط فرصًا اقتصادية للشركات والعلامات التجارية، بل يخلق أيضًا واقعًا استهلاكيًا جديدًا قد يكون منفصلًا عن الظروف الاقتصادية الفعلية للمجتمع.
ففي عالم تتحول فيه الصور الرقمية إلى مصدر للإلهام والضغط الاجتماعي في الوقت نفسه، يصبح الاستهلاك في كثير من الأحيان محاولة للاقتراب من نمط الحياة الذي يقدمه المؤثرون.
ولهذا، فإن اقتصاد المؤثرين لا يمثل مجرد تطور في أدوات التسويق، بل يعكس تحولًا أعمق في العلاقة بين الإعلام والاقتصاد وسلوك المستهلكين — وهو تحول قد يستمر في إعادة تشكيل الأسواق العالمية لسنوات طويلة قادمة.
المصادر: أرقام- هارفارد بزنس سكول- نفلونسر ماركتينغ هب- موقع ستاتيستا- شركة شين- شركة جيم شارك- أكسيوس- فوغ بيزنس
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات