عندما تهزم القصص الأرقام .. خريطة القوى في اقتصاد السرديات
في خريف عام 2008، لم يكن معظم الناس قد قرأوا تقارير الرهون العقارية عالية المخاطر، ولم يطّلعوا على نماذج المخاطر المعقدة التي بنتها البنوك الاستثمارية، لكنهم سمعوا قصة واحدة تكررت في كل مكان: “النظام المالي ينهار”.
وبدأت القصة بتقارير عن تعثر قروض الإسكان في الولايات المتحدة، ثم تحولت سريعًا إلى عناوين عاجلة عن إفلاس بنك ليمان براذرز في سبتمبر 2008.
وخلال أيام، لم يعد الأمر يتعلق ببنك واحد، بل بسردية عالمية عن انهيار شامل، مما دفع الكثير من الأفراد لسحب أموالهم، فيما باع المستثمرون أصولهم، وتوقفت البنوك عن الإقراض.
المفارقة أن معظم الأفراد لم يحللوا القوائم المالية، ولم يحسبوا نسب كفاية رأس المال، لكنهم استجابوا لقصة، هذه القصة انتشرت بسرعة، وتضخمت مع كل عنوان صحفي وتصريح سياسي، حتى أصبحت واقعًا اقتصاديًا يغيّر قرارات الملايين.
وفي عام 2009، انكمش الاقتصاد العالمي بنحو 1.3% وفق بيانات البنك الدولي، وهو أول انكماش للاقتصاد العالمي منذ الحرب العالمية الثانية، ومنذ أن بدأ البنك الدولي تسجيل البيانات السنوية المجمعة في عام 1960، لم يشهد العالم نموًا سالبًا إلا في هذا العام.
وحتى في الأزمات السابقة مثل أزمة النفط عام 1973، أو أزمة الأسواق الناشئة في التسعينيات، كان نمو الاقتصاد العالمي “يتباطأ” لكنه ظل موجبًا، إلا أن عام 2009 كسر هذه القاعدة.
هذه اللحظة تكشف حقيقة جوهرية وهي أن التوقعات لا تصنع فقط بالأرقام، ولطالما افترضت النظريات الاقتصادية التقليدية أن التوقعات تتشكل نتيجة تحليل عقلاني للبيانات مثل الأسعار، وأسعار الفائدة، ومؤشرات النمو.
لكن هذا الافتراض يتجاهل قوة السرديات — أي القصص التي تنتشر بين الأفراد والمؤسسات ووسائل الإعلام — في تشكيل الطريقة التي نفهم بها الواقع الاقتصادي ونتصرف على أساسه.
لكن من يحدد زاوية السرد؟ من يختار الكلمات؟ من يكرر الفكرة حتى تصبح حقيقة في أذهان الناس؟
هنا يظهر مفهوم “اقتصاد السرديات” الذي ارتبط باسم الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل “روبرت جيه شيلر”، والذي يرى أن الأزمات والازدهارات لا تنتج فقط عن الأرقام والمؤشرات، بل عن القصص التي تنتشر كالفيروس وتؤثر في القرارات الجماعية.
ومع تطور الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبحت سرعة انتشار السرديات أعلى من أي وقت مضى، مما يصعب من فهم “من يصنع التوقعات” في الاقتصاد العالمي.
من يصنع السرديات؟ الفاعلون وآليات التأثير
السرديات الاقتصادية لا تولد من فراغ، غالبًا ما تبدأ من جهات تمتلك القدرة على التأثير في الرأي العام، ثم تنتشر عبر قنوات متعددة.
وبالطبع تلعب وسائل الإعلام التقليدية –الصحف والقنوات التلفزيونية والمواقع الإخبارية- دورًا مركزيًا في اختيار القصص الاقتصادية وتحديد زاوية عرضها.
وحين تتكرر عناوين عن فقاعة عقارية أو انهيار وشيك، فإنها تزرع تصورات جماعية قد تؤثر في قرارات الشراء والاستثمار.
وفي كتابه “الاقتصاد السردي: كيف تنتشر القصص وتدفع بالأحداث الاقتصادية الكبرى” الصادر عام 2019، يوضح “روبرت جيه شيلر” كيف ساهمت السرديات الإعلامية في تضخيم فقاعة العقارات قبل أزمة 2008.
كما أن المؤشرات الاقتصادية نفسها قد تتحول إلى أدوات سردية، فعلى سبيل المثال، خلال طفرة التكنولوجيا في أواخر التسعينيات، كانت التغطية الإعلامية المتكررة لارتفاعات أسهم الإنترنت تغذي الاعتقاد بأن الاقتصاد الجديد سيغير قواعد اللعبة إلى الأبد.
هذا الاعتقاد دفع المستثمرين إلى ضخ أموال ضخمة في شركات ناشئة تفتقر أحيانًا إلى نماذج ربح واضحة، ما ساهم في تضخم الفقاعة ثم انفجارها عام 2000.
إلى جانب الإعلام، يلعب صناع السياسات دورًا محوريًا في تشكيل التوقعات، فعندما يصدر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بيانات حول التضخم أو أسعار الفائدة، فإن صياغة البيان قد تؤثر في الأسواق بقدر القرار نفسه.
وفي العصر الرقمي، أضافت منصات التواصل الاجتماعي طبقة جديدة من صانعي السرديات حيث أصبحت المجتمعات الافتراضية قادرة على خلق قصص استثمارية تنتشر بسرعة كبيرة تتسبب أحيانًا في موجات المضاربة على بعض الأسهم والعملات المشفرة.
وخلال السنوات الأخيرة، تغلبت السرديات على التحليل الأساسي لفترات مؤقتة مثلما حدث مع أسهم جيمستوب في يناير 2021، عندما اجتمع مجتمع من مستخدمي منصة ريديت لنشر قصة عن “فرصة تحطيم التحكّم في السوق من قبل صناديق التحوط الكبرى”.
هذه السردية دفعت آلاف المستثمرين الأفراد إلى شراء الأسهم بشكل جماعي، ما رفع سعر السهم من حوالي 20 دولار إلى أكثر من 480 دولار خلال أيام قليلة.
كما قفز حجم التداول اليومي من حوالي 1.5 مليون سهم إلى أكثر من 150 مليون سهم رغم أن مؤشرات الشركة الأساسية لم تتغير بشكل جوهري.
السرديات تؤثر في التوقعات والسلوك الاقتصادي
التوقعات ليست مجرد آراء، بل هي محرك أساسي للسلوك الاقتصادي، وعندما يعتقد المستهلكون أن الأسعار سترتفع، فإنهم يسرعون الشراء.
وحينما يعتقد المستثمرون أن السوق مقبل على انهيار، فإنهم يبيعون الأصول، هكذا تتحول السرديات إلى أفعال، والأفعال إلى نتائج اقتصادية ملموسة.
خلال الأزمة المالية العالمية 2008، لم يكن الانهيار نتيجة أرقام الرهون العقارية فقط، بل نتيجة انتشار سردية “انهيار النظام المالي”.
هذه القصة انتقلت بسرعة من الولايات المتحدة إلى أوروبا وآسيا، وأسهمت في حالة ذعر عالمية انعكست على الأسواق والبنوك.
مثال آخر يتعلق بالتضخم، ففي الوقت الذي تسعى فيه البنوك المركزية إلى تثبيت التضخم حول مستويات محددة عبر سياسة “التوجيه المستقبلي” التي تعتمدها، تشير أبحاث صندوق النقد الدولي إلى أن التوقعات تلعب دورًا حاسمًا في تحديد مسار التضخم الفعلي.
وبحسب تلك الأبحاث فإن ارتفاع توقعات التضخم بنسبة 1% قد يؤدي إلى رفع التضخم الفعلي بحوالي 0.2–0.3% خلال 6–12 شهرًا.
وتؤكد دراسات صادرة عن مجلة أمريكان إيكونوميك ريفيو أن التوقعات يمكن أن تؤدي إلى نتائج ذاتية التحقق، حيث تتحقق النتيجة لأن الجميع يتصرف كما لو كانت ستتحقق.
حتى في أسواق التكنولوجيا الحديثة، لعبت السرديات دورًا حاسمًا، خلال طفرة العملات المشفرة، انتشرت سردية “اللامركزية والتحرر من النظام المالي التقليدي”، ما جذب استثمارات ضخمة إلى السوق.
وفي ذروة الصعود في نوفمبر 2021، تجاوزت القيمة السوقية للعملات المشفرة 3 تريليونات دولار أمريكي بعد أن كانت أقل من 1 تريليون دولار بداية هذا العام، وفق بيانات كوين ماركت كاب.
لاحقًا، ومع تغير السردية نحو الحديث عن المخاطر التنظيمية والانهيارات، تراجعت القيمة السوقية بشكل حاد حيث أصبحت الآن دون 2.5 تريليون دولار.
هذه الأمثلة تؤكد أن السرديات لا تعكس الواقع فقط، بل تساهم في صناعته.
هل يمكن قياس السرديات؟
رغم طبيعتها النوعية، بدأ الباحثون في تطوير أدوات كمية لقياس انتشار السرديات وتأثيرها.
واستخدم “شيلر” في أبحاثه تقنيات تحليل النصوص مثل تحليلات “إن-غرام” وهي أداة إحصائية ولغوية قوية جدًا، أصبحت ركيزة أساسية في الاقتصاد السردي تقوم بتتبع تكرار كلمات محددة في الصحف عبر الزمن.
وأظهرت تلك الأداة أن تكرار عبارات مثل “انهيار سوق الأسهم” ارتفع بشكل ملحوظ قبل فترات الأزمات التاريخية، وهو ما يشير إلى وجود علاقة بين انتشار السردية وحدوث التحول الاقتصادي.
كما تستخدم دراسات حديثة تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل نصوص تقارير الأرباح للشركات، وقياس نبرة الخطاب وتأثيرها في توقعات المحللين والأسواق.
وتشير أبحاث منشورة عبر منصات أكاديمية مثل “أركايف” إلى أن تحليل اللغة يمكن أن يفسر جزءًا من تحركات الأسواق لا تفسره البيانات المالية وحدها.
إضافة إلى ذلك، ساهم علم النفس السلوكي في تفسير قوة السرديات، فمفهوم مثل “تحيز التوافر” يوضح أن الأفراد يميلون إلى المبالغة في تقدير احتمالية الأحداث التي يسمعون عنها بشكل متكرر.
فعندما يرى المتابع مئات القصص عن “الربح السريع من الكريبتو” أو “السفر الفاخر”، يقع في تحيز التوافر؛ فيظن أن احتمالية نجاحه في تحقيق هذا الوهم عالية جدًا، متجاهلًا ملايين حالات الفشل التي لا يراها لأنها لا تظهر في وسائل التواصل أو الإعلام.
هذا يفسر لماذا يمكن لسردية قوية حتى لو كانت مبالغًا فيها أن تؤثر في قرارات اقتصادية واسعة النطاق.
ويكشف اقتصاد السرديات أن التوقعات لا تُصنع في فراغ، بل تتشكل عبر شبكة معقدة من الإعلام، وصناع السياسات، والمستثمرين، والمجتمعات الرقمية.
وفي ظل اقتصاد عالمي مترابط، تنتقل السرديات عبر الحدود بسرعة هائلة، وقد تتحول من مجرد فكرة إلى قوة اقتصادية تدفع الأسواق صعودًا أو هبوطًا.
وبالتالي فإن فهم من يصنع هذه القصص، وكيف تنتشر، وكيف تؤثر في التوقعات، أصبح ضرورة لفهم تقلبات الاقتصاد الحديث.
في النهاية، الأرقام مهمة، لكن القصص التي تحيط بها قد تكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من الأرقام نفسها.
المصادر: أرقام- مجلة أمريكان إيكونوميك ريفيو- كتاب “الاقتصاد السردي: كيف تنتشر القصص وتدفع بالأحداث الكبرى”- صندوق النقد الدولي- البنك الدولي- كوين ماركت كاب- منصة أركايف
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات