القوارب الطائرة .. هل ترسم مستقبل النقل الحضري؟
في صباح شتوي بارد في ستوكهولم، يبدو قارب “كانديلا سي-8” Candela C-8 كزورق عصري أنيق يطفو بهدوء على سطح الماء. يعمل بالكهرباء بدلًا من محرك الوقود الصاخب، ما يجعله شبه صامت أثناء مغادرته الرصيف.
لكن المشهد يتغير جذريًا ما إن يصل إلى المياه المفتوحة ويبدأ في زيادة سرعته؛ إذ يحدث ما يشبه المعجزة التقنية: القارب “يقلع” فعليًا، ويرتفع هيكله بالكامل عن سطح الماء، ليحلق على ارتفاع يقارب نصف متر، مدعومًا بثلاث دعامات حمراء نحيلة.
تعتمد هذه الدعامات على جناحين مغمورين تحت الماء يُعرفان باسم الهيدروفويل، أحدهما في المقدمة والآخر في الخلف، ويعملان كأجنحة تولّد قوة رفع مع الحركة الأمامية.
أما الدفع فيأتي من محرك أسطواني الشكل مثبت في الجناح الخلفي، ويضم مروحتين متعاكستين في الدوران. وبمجرد ارتفاع الهيكل عن الماء، ينخفض الاحتكاك بشكل كبير، ما يقلل استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 80%.

حساسات دقيقة
وتقوم حساسات دقيقة بقياس حركة الأمواج وتعديل زاوية الأجنحة مئة مرة في الثانية، لتوفير رحلة ثابتة وسلسة لدرجة أن القارب يبدو وكأنه يسير على سكك حديدية. وبعد دقائق، يعلن القبطان: «نستعد للهبوط»، ليعود الهيكل بهدوء إلى الماء.
يرى غوستاف هاسلسكوغ، مؤسس شركة كانديلا السويدية، أن القوارب الكهربائية الهيدروفويلية مثالية للنقل الحضري. فهي هادئة، وخالية من الانبعاثات، وقليلة التكلفة التشغيلية؛ إذ لا تتجاوز تكلفة الميل البحري لقارب C-8 ن نحو 5% من تكلفة زورق تقليدي سريع.
قيود صارمة
كما أن كثيرًا من المدن تفرض قيودًا صارمة على سرعة القوارب للحد من الأمواج والضوضاء، في حين تُحدث الهيدروفويل اضطرابًا أقل بكثير، ما قد يسمح لها بالسير بسرعة أعلى داخل المدن.
ويعتقد أنصار هذه التقنية أنها قادرة على إعادة تشكيل النقل الحضري، من خلال تحويل جزء من الحركة المرورية من الطرق المزدحمة إلى الممرات المائية غير المستغلة. بالفعل، بدأت مدن حول العالم في اختبار هذه الفكرة عمليًا.
تُعد كانديلا في طليعة مجموعة عالمية من الشركات الناشئة التي تطور قوارب هيدروفويل كهربائية. فإلى جانب تسليمها نحو 100 قارب ترفيهي، تمتلك الشركة طلبيات لعشرات العبارات الكهربائية من طراز P-12، القادرة على نقل 30 راكبًا.
وتشمل المنافسة شركات مثل “آرتميس تكنولوجيز” Artemis Technologies في أيرلندا الشمالية، و”موباي فلاي”MobyFly في سويسرا، و”نافيير”Navier في الولايات المتحدة، و”سي بابلز” SeaBubbles في فرنسا، و”فيسيف” Vessev في نيوزيلندا.
استخدامات عسكرية
وتقول سامبريتي بهاتاتشاريا، مؤسسة “نافيير”، إن لهذه القوارب استخدامات عسكرية محتملة أيضًا، نظرًا لهدوئها وبصمتها الحرارية المنخفضة.
ورغم أن فكرة الهيدروفويل تعود إلى القرن التاسع عشر، فإن النسخ الحديثة تختلف جذريًا عن النماذج القديمة. فبينما اعتمدت القوارب السابقة على أجنحة تخترق سطح الماء وتسبب عدم استقرار، تستخدم التصاميم الحديثة أجنحة مغمورة بالكامل، ما يقلل استهلاك الطاقة ويحسن الثبات.
غير أن هذا يتطلب تعديلات دقيقة ومتواصلة للحفاظ على التوازن، وهو ما أصبح ممكنًا بفضل تقنيات الاستشعار والتحكم المستمدة من الهواتف الذكية والطائرات المسيّرة والسيارات ذاتية القيادة.

3 ركائز
وهكذا، تقوم القوارب الكهربائية الهيدروفويلية على ثلاث ركائز تقنية: الأنظمة الرقمية المتقدمة، والمواد الحديثة، وأنظمة الدفع الكهربائي. هذا التلاقي، كما تشير بهاتاتشاريا، هو ما جعل الهيدروفويل عمليًا وقابلًا للتوسع التجاري. وتضيف: “إذا كان البر والجو يتجهان نحو الكهرباء، فالبحر هو الخطوة المنطقية التالية”.
ويُعد الوزن عاملًا حاسمًا في هذه الصناعة، إذ إن الطاقة اللازمة لدفع القارب تتناسب طرديًا مع كتلته. لذلك، كان لا بد من تقليل الوزن إلى الحد الأدنى، مع الحفاظ على المتانة.
والحل جاء من صناعات الطيران وسباقات السيارات، عبر استخدام ألياف الكربون. ورغم سمعتها بوصفها مادة باهظة الثمن، فإن تراجع تكلفتها وانتشارها الواسع كان “عاملًا حاسمًا” في تمكين هذه التقنية، وفقًا لمحللي شركة “آي دي تي إكس”.
وفي مصنع كانديلا بستوكهولم، تصطف هياكل عبارات P-12 المصنوعة من ألياف الكربون، بينما تُركب أنظمة التحكم المتقدمة. وتؤكد الشركة أنها الوحيدة عالميًا التي وصلت إلى مرحلة الإنتاج المتسلسل لهذا النوع من القوارب.
البطاريات
أما على صعيد البطاريات، فقد استفادت الشركات من الطفرة العالمية في المركبات الكهربائية. ففي نماذجها الأولى، استخدمت كانديلا بطاريات سيارات كهربائية مثل BMW i3، ثم انتقلت إلى بطاريات شركة BYD الصينية، قبل أن تعقد شراكة مع بولستار. ويتيح ذلك استخدام محطات الشحن السريع نفسها المصممة للسيارات.
وفيما يخص المحركات، صممت كانديلا محركًا غاطسًا خاصًّا بها بعد أن كانت تعتمد على محركات الطائرات الكهربائية. ويؤدي وضع المحرك تحت الماء إلى تبريد طبيعي وكفاءة أعلى، بينما تقلل المروحتان المتعاكستان من فقدان الطاقة، لترتفع الكفاءة الإجمالية إلى نحو 80%.
تقول بهاتاتشاريا إن هذه التطورات تعيد إحياء صناعة “ظلت راكدة تقنيًا لعقود”، وتتوقع أن تصبح الهيدروفويل “المعيار العالمي” للنقل البحري السريع خلال عشر سنوات.
ويعزز هذا الطرح واقع أن نحو نصف سكان العالم يعيشون في مناطق ساحلية، غالبًا ما تعاني من ازدحام مروري خانق. وهنا تبرز الممرات المائية، أو “الطرق الزرقاء”، كحل منطقي لنقل الركاب، وربما البضائع أيضًا.
لكن لهذه الثورة حدودًا تفرضها قوانين الفيزياء؛ فكلما زاد طول القارب، زادت كتلته وقوة الدفع المطلوبة بوتيرة أسرع من زيادة عدد الركاب. لذلك، ستظل العبارات الضخمة التقليدية مهيمنة على الخطوط البحرية الطويلة والكثيفة. ومع ذلك، على المسارات القصيرة داخل المدن، تبدو القوارب الكهربائية “الطائرة” على وشك الإقلاع فعليًا نحو مستقبل جديد للنقل الحضري.
المصدر: “ذي إيكونوميست”
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات