
سجلت أسعار النحاس مستوى قياسياً جديداً خلال تعاملات اليوم الخميس، في إطار موجة صعود واسعة شهدتها أسواق المعادن العالمية، مدفوعة بإقبال متزايد من المستثمرين على الأصول المادية، في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية، واستمرار ضعف الدولار الأمريكي، إلى جانب المخاوف المتنامية بشأن نقص المعروض العالمي.
وجاء هذا الارتفاع اللافت في وقت تزايدت فيه شهية المستثمرين للتحول من المعادن النفيسة، التي سجلت مكاسب قوية خلال الفترة الماضية، مثل الذهب والفضة، إلى النحاس، باعتباره من المعادن الصناعية الأكثر استفادة من التحولات الاقتصادية العالمية والتوترات الجيوسياسية، إضافة إلى دوره المحوري في التحول نحو الطاقة النظيفة والبنية التحتية.
مستويات قياسية في آسيا وأوروبا
وارتفع عقد النحاس الأكثر تداولاً في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة بنسبة 6.35% ليصل إلى 108,740 يواناً للطن المتري، ما يعادل نحو 15,652.12 دولار، بحلول الساعة 03:30 بتوقيت غرينتش، بعدما لامس في وقت سابق من الجلسة مستوى قياسياً جديداً عند 109,570 يواناً للطن.
وفي الأسواق الأوروبية، صعد عقد النحاس القياسي لثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن بنسبة 6.63% ليبلغ 13,953.50 دولار للطن بحلول الساعة 03:50 بتوقيت غرينتش، قبل أن يواصل الارتفاع مسجلاً مستوى تاريخياً جديداً عند 13,967 دولاراً للطن، في إشارة واضحة إلى قوة الزخم الصعودي في الأسواق العالمية.
مكاسب قوية منذ بداية العام
وحقق النحاس مكاسب ملحوظة منذ بداية العام، إذ ارتفع عقد شنغهاي بنحو 9%، بينما سجل العقد القياسي في لندن مكاسب تجاوزت 11%، مواصلاً بذلك الاتجاه الصعودي القوي الذي شهده عام 2025، والذي كان مدفوعاً بمخاوف متزايدة تتعلق بالإمدادات العالمية.
ويرجع هذا الأداء القوي إلى عدد من العوامل، أبرزها تعطل الإنتاج في عدد من المناجم الكبرى، والاضطرابات الإقليمية، إلى جانب التهديدات المتكررة بفرض رسوم جمركية أميركية، ما أثار مخاوف بشأن سلاسل التوريد العالمية، ودفع المستثمرين إلى تعزيز مراكزهم في المعادن الصناعية.
انتقال السيولة من الذهب والفضة
وقال متعاملون في أسواق السلع إن أسعار النحاس تواصل الارتفاع مع انتقال جزء من السيولة الاستثمارية من الذهب والفضة، اللذين سجلا مستويات قياسية في وقت سابق، إلى النحاس، في محاولة لتنويع المحافظ الاستثمارية والاستفادة من الزخم القوي في المعادن الأساسية.
وجاء هذا التحول بعد أن حقق الذهب والفضة مكاسب تاريخية، مدفوعين بتهافت المستثمرين على الأصول المادية، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، خاصة عقب تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إيران بشن هجمات محتملة في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي.
ضعف الدولار يعزز الطلب
وساهم ضعف الدولار الأمريكي في دعم أسعار النحاس، إذ استقر الدولار بالقرب من أدنى مستوياته الأخيرة، عقب قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير.
ويؤدي تراجع الدولار إلى جعل السلع المقومة بالعملة الأميركية أقل تكلفة للمستثمرين من حاملي العملات الأخرى، ما يعزز الطلب عليها ويدعم الأسعار، وهو ما انعكس بوضوح على أداء النحاس وبقية المعادن الأساسية.
الصين تكبح الزخم رغم الصعود
ورغم المكاسب القوية، جاءت هذه الارتفاعات في ظل ضعف الطلب الفوري في الصين، أكبر مستهلك للنحاس في العالم، إذ تراجع المؤشر الذي يقيس الطلب الصيني على واردات النحاس إلى نحو 20 دولاراً للطن، وهو أدنى مستوى له منذ يوليو تموز 2024.
ويرى محللون أن استمرار الصعود رغم ضعف الطلب الصيني يعكس هيمنة العوامل المالية والجيوسياسية على حركة الأسعار في الوقت الراهن، مقابل تراجع التأثيرات التقليدية المرتبطة بالعرض والطلب الفعلي.
أداء قوي لبقية المعادن الأساسية
وفي السياق ذاته، واصل الألومنيوم أداءه القوي، حيث ارتفع العقد الأكثر تداولاً في شنغهاي بنسبة 3.08% إلى 25,630 يواناً للطن، بينما صعد السعر القياسي في لندن بنسبة 1.87%.
كما سجلت بقية المعادن الأساسية، مثل الزنك والرصاص والنيكل والقصدير، مكاسب متفاوتة في كل من الأسواق الآسيوية والأوروبية، مدعومة بمزيج من ضعف الدولار وتزايد الإقبال على الأصول المادية.

التعليقات