
في قلب المياه الزرقاء لمضيق هرمز، حيث تتقاطع مصالح العالم وتتشابك خطوط التجارة، لم تعد السفن العابرة تحمل براميل النفط وحدها، بل باتت تحمل معها مخاوف ملايين الأسر من ارتفاع تكلفة “تحلية” واقعهم اليومي.
ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية في أحد أهم شرايين الملاحة الدولية، قفزت أسعار السكر العالمية إلى مستويات قياسية، محولةً هذا الممر الحيوي من مجرد مسار للشحن إلى عامل ضغط مباشر على مائدة المستهلك البسيط.
إنها حكاية “سلعة استراتيجية” وجدت نفسها في مهب ريح الصراعات، حيث لم يعد الارتفاع مجرد أرقام على شاشات البورصات في لندن ونيويورك، بل أصبح صدمة لوجستية أعادت رسم خريطة تدفق الغذاء من الشرق إلى الغرب.
شلل الممرات يرفع “علاوة المخاطر” في بورصة لندن
وأظهرت بيانات السوق في الأول من أبريل 2026 قفزة تاريخية في أسعار السكر الأبيض المكرر، حيث بلغ الطن نحو 440.9 دولار في لندن، بينما سجل السكر الخام الأمريكي 15.29 سنت للرطل.
وهذا الارتفاع الجنوني لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة شبه شلل في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يعد المركز الرئيسي لتغذية مصافي الخليج بالسكر الخام وإعادة تصديره كبضاعة جاهزة للأسواق المجاورة.
ويقدر الخبراء أن نحو 6% من تجارة السكر العالمية باتت تحت رحمة الاضطرابات، مما أجبر التجار على دفع “علاوة مخاطر” إضافية لتغطية تكاليف التأمين المرتفعة وإعادة توجيه السفن عبر مسارات أطول وأكثر كلفة.
من القصب إلى الوقود.. كيف التهم النفط إنتاج السكر؟
ولم يتوقف أثر الحرب عند حدود الشحن فحسب، بل امتد ليشمل “مطاحن البرازيل” -أكبر منتج للسكر في العالم- عبر بوابة أسعار الطاقة. فمع اشتعال أسعار النفط بسبب أزمة هرمز، وجدت المصانع البرازيلية أن تحويل قصب السكر لإنتاج “الإيثانول” (الوقود الحيوي) أصبح أكثر ربحية من إنتاج السكر نفسه.
وتشير التوقعات إلى خفض حصة القصب الموجهة للسكر إلى 48.5% لصالح الوقود، مما يعني تقليص المعروض العالمي بشكل حاد.
وهذا الضغط المزدوج؛ بين تعطل الشحن في الشرق الأوسط وتراجع الإنتاج في أمريكا اللاتينية، خلق فراغاً كبيراً دفع المشترين للهروب نحو موردين بدلاء في الهند وتايلاند، رغم طول المسافات وتضاعف تكاليف النقل.
إعادة رسم الخريطة ومخاوف تضخم الغذاء
وفي ظل هذا المشهد المعقد، بدأت الأسواق العالمية تعيد تسعير السكر بوصفه جزءاً من صدمة تضخمية أوسع تضرب الاقتصادات النامية.
وبحسب تقديرات التجار، فإن الواردات قد تظل ضعيفة حتى شهر يونيو المقبل، مع احتمالية امتداد الأزمة للربع الثالث من العام إذا لم تهدأ التوترات.
ومع تسارع الطلب على السكر الهندي والتايلاندي لتعويض النقص، يبدو أن العالم يتجه نحو موجة جديدة من غلاء الغذاء؛ حيث تظل الأسعار مدعومة بضغوط لوجستية وتكاليف طاقة مرتفعة، مما يجعل العودة لمستويات ما قبل الحرب أمراً صعب المنال، ويضع استدامة الإمدادات في مواجهة مباشرة مع أمواج السياسة المتلاطمة في مضيق هرمز.
