
كشفت بيانات رسمية صادرة عن مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني، اليوم الجمعة 13 مارس 2026، عن تسجيل نمو متواضع في الاقتصاد البريطاني بمقدار 0.2% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في يناير الماضي.
وجاءت هذه الأرقام المخيبة للآمال دون مستوى توقعات خبراء الاقتصاد الذين شملهم استطلاع وكالة “رويترز”، حيث كانت التقديرات تشير إلى تحقيق نمو بنسبة 0.3% للناتج المحلي الإجمالي خلال فترة نوفمبر-يناير مقارنة بالأشهر الثلاثة السابقة عليها، مما يشير إلى أن وتيرة التعافي لا تزال تكافح لاكتساب زخم حقيقي.
وزادت حالة القلق بشأن صحة الاقتصاد البريطاني بعدما أظهرت البيانات أن شهر يناير وحده لم يسجل أي نمو يذكر (0.0%)، وذلك في تناقض حاد مع التوقعات التي كانت تراهن على زيادة بنسبة 0.2%.
ويعكس هذا الركود الشهري نهاية باهتة للعام الماضي وبداية تتسم بالحذر الشديد لعام 2026، مما يلقي بظلال من الشك على قدرة المملكة المتحدة على تجاوز التحديات الهيكلية والضغوط التضخمية التي تلاحق الأسواق المحلية منذ فترة طويلة.
قطاع الخدمات.. بارقة أمل وسط ضغوط التكاليف
ورغم هذه القراءة الضعيفة للنمو الإجمالي، ظهرت إشارات إيجابية “متباينة” من قطاع الخدمات، الذي يعد المحرك الرئيسي للاقتصاد البريطاني. وبحسب بيانات سابقة صدرت في فبراير، سجل مؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات (S&P Global) ارتفاعاً إلى 54.0 نقطة في يناير، وهو أعلى مستوى له منذ أغسطس 2025.
ورغم أن هذه القراءة جاءت أقل قليلاً من التقدير الأولي، إلا أنها تظل فوق مستوى 50 نقطة الذي يفصل بين النمو والانكماش، مما يشير إلى توسع واضح في النشاط الخدمي مدفوعاً بتحسن الطلب في قطاع الأعمال.
ومع ذلك، يظل هذا الزخم في قطاع الخدمات محفوفاً بالمخاطر؛ حيث حذر المحللون من استمرار ضغوط التكاليف وارتفاع أسعار الخدمات بشكل مطرد.
وتضع هذه المعادلة الصعبة “بنك إنجلترا” (البنك المركزي البريطاني) أمام مأزق حقيقي في اجتماعه المرتقب؛ فمن جهة، يتطلب النمو المتعثر خفضاً لأسعار الفائدة لتحفيز الأسواق، ومن جهة أخرى، يفرض التضخم المستمر في أسعار الخدمات الحفاظ على سياسة نقدية متشددة، مما يجعل القرار القادم للبنك حاسماً في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
تباين المعنويات بين الشركات والمستهلكين
وعلى صعيد معنويات قطاع الأعمال، أظهر استطلاع حديث أجراه اتحاد الصناعة البريطاني (CBI) تحسناً دراماتيكياً في التفاؤل لدى شركات الأعمال والخدمات المهنية، حيث قفز المؤشر من -50 في نوفمبر الماضي إلى -3 في فبراير 2026، وهو المستوى الأعلى منذ أكثر من عام ونصف.
ويعكس هذا التحول انتهاء موجة التشاؤم الطويلة وبداية تطلع الشركات المهنية إلى آفاق استثمارية أرحب خلال الربع الحالي من العام.
وفي المقابل، لا تزال الغيوم تلبد سماء الشركات التي تتعامل مباشرة مع المستهلكين، والتي لا تزال تعاني من وطأة تراجع القوة الشرائية للأسر البريطانية وتفضيل المستهلكين لترشيد الإنفاق.
وهذا الانقسام في المعنويات بين “قطاع الأعمال” و”قطاع المستهلكين” يؤكد أن التعافي الاقتصادي في بريطانيا يسير بسرعتين مختلفتين، ويشير إلى أن الطريق نحو استقرار النمو الشامل لا يزال طويلاً ومليئاً بالعقبات الاقتصادية التي تتطلب سياسات مالية ونقدية أكثر مرونة وابتكاراً.

التعليقات