
دخل العالم اليوم في نفق مظلم من عدم اليقين الاقتصادي، مع تحول “التهديدات” إلى واقع مرير على الأرض.
فمع دخول المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مرحلة التصادم المباشر، أعلن الحرس الثوري الإيراني رسمياً غلق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية.
وهذا القرار، الذي وصفه خبراء بأنه “القنبلة النووية الاقتصادية”، لم يتوقف أثره عند التصريحات السياسية، بل تُرجم فوراً إلى مشهد كارثي في عرض البحر؛ حيث تكدست أكثر من 750 سفينة شحن وناقلة نفط وغاز، عاجزة عن العبور أو التراجع، مما أدى إلى شلل شبه كامل في أهم شريان للطاقة في العالم، وارتفاع جنوني في الأسعار وصل إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ سنوات.
عنق الزجاجة ينفجر.. 750 سفينة في قبضة الحصار
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي، بل أصبح “ساحة انتظار” عملاقة لمئات السفن التي تحمل أرزاق واحتياجات العالم.
وبحسب تقارير ملاحية دولية وبيانات صادرة عن كبرى شركات الشحن، فإن الرقم المسجل اليوم هو 750 سفينة عالقة، من بينها نحو 100 ناقلة حاويات ضخمة، وهو ما يمثل حوالي 10% من إجمالي أسطول الحاويات العالمي.
وهذا التكدس الهائل لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيحة مباشرة لانسحاب شركات التأمين العالمية من تغطية مخاطر الحرب في منطقة الخليج.
فبدون تأمين، يصبح عبور أي سفينة بمثابة انتحار مالي لأصحابها، خاصة مع توالي أنباء استهداف الناقلات بمسيرات وصواريخ.
وشركات عملاقة مثل “ميرسك” و”إم إس سي” أعلنت وقف حجوزاتها تماماً للمنطقة، مما يعني أن البضائع والوقود المتجه إلى أوروبا وآسيا سيظل محبوساً في عرض البحر لفترة غير معلومة، وهو ما بدأ بالفعل في إحداث ارتباك في سلاسل التوريد العالمية، يهدد بنقص حاد في السلع الأساسية والمواد الخام خلال الأسابيع القادمة.
أسواق الطاقة تحت الصدمة.. النفط يقفز والغاز يشتعل
أما رد فعل أسواق الطاقة كان “عنيفاً” كما وصفه محللو “بلومبرج” و”جولدمان ساكس”. فبمجرد تأكد خبر الغلق الفعلي للمضيق، قفز خام برنت بنسبة تجاوزت 13% ليصل إلى مستويات 83 دولاراً للبرميل، وسط توقعات قوية بأن يكسر حاجز الـ 100 دولار إذا استمر الإغلاق لأكثر من أسبوع.
والسبب بسيط ومرعب في آن واحد، وهو أن مضيق هرمز هو الممر الذي يعبر منه نحو 20% من إمدادات النفط العالمية يومياً، أي حوالي 20 مليون برميل. غلق هذا الممر يعني ببساطة حرمان العالم من خُمس احتياجاته من الطاقة بلمحة بصر.
أما في سوق الغاز، فالكارثة أكبر؛ حيث أدى توقف الإنتاج في مجمع “رأس لفان” القطري -أكبر منشأة لتصدير الغاز المسال في العالم- إثر هجمات بالمسيرات، إلى قفزة تاريخية في أسعار الغاز بأوروبا بلغت 54%.
وهذا الارتفاع سيترجم فوراً إلى زيادة في فواتير الكهرباء والتدفئة للمواطنين في الغرب، ويضع الصناعات الثقيلة في آسيا وأوروبا أمام خطر التوقف التام، مما يعزز من فرص دخول الاقتصاد العالمي في موجة ركود تضخمي قاسية.
شلل الموانئ.. الفجيرة وجبل علي في عين العاصفة
وتأثير غلق المضيق لم يتوقف عند السفن العالقة، بل امتد ليشل حركة الموانئ الحيوية في المنطقة التي كانت تمثل مراكز لوجستية عالمية.
فإمارة الفجيرة، التي تعد ثالث أكبر مركز لتزويد السفن بالوقود في العالم، شهدت حرائق في مرافقها النفطية نتيجة تساقط حطام مسيرات جرى اعتراضها، مما أدى لتعطل العمليات فيها.
وفي دبي، اضطر ميناء “جبل علي” -أكبر ميناء للحاويات في الشرق الأوسط- لتعليق عملياته مؤقتاً كإجراء احترازي، وهو ما يعني توقف شريان حياة تجاري يربط الشرق بالغرب.
ورغم محاولات “موانئ أبوظبي” تشغيل “ميناء خليفة” بكامل طاقته، إلا أن غياب السفن الواردة بسبب غلق المضيق جعل الأرصفة تبدو خالية بشكل غير معتاد، مما يعكس حجم الشلل الذي أصاب المنظومة التجارية الإقليمية بالكامل.
البحث عن بدائل مستحيلة.. هل تنقذ الأنابيب العالم؟
وفي ظل هذا الانسداد، بدأت دول المنطقة في البحث عن مسارات بديلة لتهريب نفطها إلى الأسواق العالمية، لكن الواقع يقول إن هذه البدائل “محدودة” ولا تكفي لسد العجز:
خط أنابيب “أرامكو”: تدرس السعودية زيادة الشحن عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر باستخدام خط أنابيب يمتد عبر المملكة بطاقة 5 ملايين برميل يومياً.
لكن هذا لا يمثل سوى جزء بسيط مما يمر عبر هرمز، فضلاً عن أن ممر البحر الأحمر نفسه مهدد من قِبل الحوثيين.
خط أنابيب “حبشان-الفجيرة”:
في الإمارات، يعمل خط الأنابيب الذي يتجاوز المضيق، لكن قدرته الاستيعابية لا تستطيع تعويض كافة التدفقات التي تعطلت، خاصة مع التهديدات الأمنية التي طالت الفجيرة مؤخراً.
العراق والكويت:
يجد البلدان نفسهما في وضع أصعب؛ فالعراق بدأ بالفعل في خفض إنتاجه بواقع 1.2 مليون برميل يومياً بسبب امتلاء الخزانات وعجز الناقلات عن الوصول لموانئ البصرة، في مشهد يهدد بانهيار ميزانية الدولة المعتمدة كلياً على النفط.
التداعيات العالمية.. شبح التضخم يطارد الجميع
والواقع إن غلق مضيق هرمز ليس أزمة إقليمية، بل هو “زلزال” سيشعر به المواطن في أقصى بقاع الأرض. فارتفاع تكاليف الشحن وتأمين الناقلات، مضافاً إليه ارتفاع أسعار الوقود، سيؤدي حتماً إلى موجة غلاء عالمية في أسعار الغذاء والدواء والإلكترونيات.
لذا فالمحللون في “باركليز” و”جولدمان ساكس” يحذرون من أن استمرار هذا الوضع قد يضيف 0.8% إلى معدل التضخم العالمي، مما سيجبر البنوك المركزية على اتخاذ قرارات قاسية برفع أسعار الفائدة، الأمر الذي سيخنق النمو الاقتصادي المتعثر أصلاً.
وبالنسبة للصين واليابان وكوريا الجنوبية، فإن الأزمة تمثل تهديداً لـ “أمنها القومي”؛ حيث تعتمد هذه الدول على مضيق هرمز لتأمين أكثر من 75% من احتياجاتها النفطية.
وهذا يعني انقطاع طويل الأمد يعني توقف المصانع وشلل حركة النقل في هذه القوى الاقتصادية الكبرى، مما قد يجر العالم كله إلى أزمة اقتصادية تفوق في حدتها أزمة 2008.
العالم في انتظار المعجزة
وختاما فإنه بعد خمسة أيام فقط من اندلاع الصراع، أثبت غلق مضيق هرمز أنه السلاح الأكثر فتكاً في هذه الحرب. فبينما تتصادم الصواريخ والمسيرات في السماء، تتصادم الأرقام والأسعار في الأسواق، تاركة 750 سفينة عالقة كشاهد عيان على شلل التجارة العالمية.
إن الكرة الآن في ملعب القوى الكبرى؛ فإما التوصل لتهدئة سريعة تفتح أبواب المضيق من جديد، أو الاستعداد لسنوات من الركود والفقر الطاقي الذي لن ينجو منه أحد.
والعالم اليوم لا يراقب الجبهات العسكرية فحسب، بل يراقب “بوابات الجحيم” في هرمز، آملاً في انفراجة تنقذ ما تبقى من استقرار اقتصادي عالمي.

التعليقات