التخطي إلى المحتوى

في ظل تعقد المشهد الاقتصادي إقليميًا ودوليًا، وتزايد الضغوط المرتبطة بالدين العام، والتضخم، ومتطلبات النمو، برز استحداث منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية كإشارة واضحة إلى توجه الدولة نحو إدارة أكثر تكاملاً للملف الاقتصادي، خطوة يرى خبراء أنها ليست مجرد تعديل إداري، بل إعادة صياغة لآلية صنع القرار الاقتصادي في مصر.

الدكتور محمد الشوادفي، أستاذ الاستثمار اعتبر أن إنشاء هذا المنصب يمثل ضرورة ملحّة لتوحيد الرؤية الاقتصادية، في ظل تعدد الجهات والقطاعات المعنية بالملف المالي والاستثماري والإنتاجي، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب قيادة قادرة على تنسيق الجهود ضمن استراتيجية شاملة.

عقل مركزي لتوحيد القرار

بحسب الشوادفي فإن المنصب الجديد لا يقتصر على دور تنسيقي تقليدي، بل يُنتظر أن يقود رؤية اقتصادية متكاملة تتعامل مع التحديات الداخلية، مثل إدارة الدين العام وضبط عجز الموازنة، إلى جانب المتغيرات الخارجية المرتبطة بأسعار الفائدة العالمية وحركة رؤوس الأموال.

وأشار إلى أن التنسيق بين وزارة المالية والقطاعات الاقتصادية المختلفة بات أمرًا حتميًا لاستغلال الفرص الاستثمارية المتاحة، وضمان توجيه الموارد بكفاءة أعلى.

إدارة الدين.. التحدي الأكبر

ملف الدين العام يظل في صدارة الأولويات، حيث وصف الشوادفي خفض الدين بأنه «أمنية وطنية»، لكنه شدد على أن تحقيق ذلك يتطلب خطة متكاملة تشمل:

تحسين إدارة الموارد العامة

ضبط الإنفاق دون التأثير على الخدمات الأساسية

تحفيز النمو لزيادة الإيرادات

وأكد أن استدامة سداد الالتزامات المالية لن تتحقق إلا من خلال توسع اقتصادي حقيقي، وليس فقط عبر إجراءات تقشفية.

الإنتاج والصادرات في قلب الخطة

ويرى أستاذ الاستثمار أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على تعزيز الإنتاج الصناعي وزيادة الصادرات، باعتبارهما المصدر الأكثر استدامة للعملة الأجنبية. كما أشار إلى أهمية دعم تحويلات المصريين بالخارج، وتنمية إيرادات قناة السويس، باعتبارها ركائز أساسية لتقوية ميزان المدفوعات.

وأضاف أن توسيع القاعدة الضريبية، بدلًا من زيادة الأعباء على الممولين الحاليين، يمثل خطوة ضرورية لضمان عدالة النظام الضريبي وتحقيق موارد إضافية للدولة دون إعاقة النشاط الاقتصادي.

بين الإصلاح والطموح

استحداث منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية يعكس إدراكًا رسميًا بأن المرحلة تتطلب قيادة موحدة للملف الاقتصادي، خاصة مع استمرار تنفيذ مشروعات قومية كبرى تحتاج إلى إدارة تمويلية دقيقة، وضبط إيقاع الإنفاق العام.

وبين تحديات إدارة الدين، وتعزيز الإنتاج، وتحقيق نمو مستدام، يبدو أن نجاح التجربة سيقاس بقدرتها على تحويل التنسيق المؤسسي إلى نتائج ملموسة على الأرض، يشعر بها المواطن في صورة استقرار الأسعار، وفرص عمل جديدة، وتحسن في مستوى المعيشة.

في النهاية، قد يكون هذا المنصب هو الحلقة المفقودة في منظومة الإدارة الاقتصادية، إذا ما نجح في تحقيق التوازن بين الانضباط المالي والطموح التنموي، في واحدة من أدق المراحل التي يمر بها الاقتصاد المصري.


التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *