
أثار قرار إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام ضمن التعديل الوزاري الأخير موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط الاقتصادية، بين من اعتبره خطوة جريئة لكسر البيروقراطية وتسريع اتخاذ القرار، ومن حذر من مخاطر تشتت المسؤولية وضبابية الإشراف على شركات الدولة في مرحلة دقيقة.
ويرى خبراء اقتصاد أن القرار يتجاوز كونه تعديلًا إداريًا، ليعكس تحولًا في فلسفة إدارة أصول الدولة، من نموذج الوزارات المنعزلة إلى نموذج أكثر تكاملًا يربط الشركات بالسياسات العامة لكل قطاع، مع رقابة مالية مركزية.
وفي هذا السياق، اعتبر الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، أن إلغاء وزارة قطاع الأعمال يمثل إصلاحًا هيكليًا في المضمون لا في الشكل، مشيرًا إلى أن وجود وزارة مستقلة لسنوات طويلة خلق ما وصفه بـ«الجزر المنعزلة»، حيث تعمل الشركات بمعزل عن الوزارات الفنية المعنية بطبيعة نشاطها.
وأوضح أن شركات الغزل والنسيج، على سبيل المثال، كانت تتبع وزارة قطاع الأعمال، بينما تتبع سياسات زراعة القطن وزارة الزراعة، وسياسات التصدير وزارة التجارة والصناعة، وهو ما أدى إلى تضارب في الرؤى وبطء في اتخاذ القرار. واعتبر أن إلغاء الوزارة يهدف إلى كسر هذه الحواجز وربط كل شركة بالوزارة التي تفهم طبيعة نشاطها وتستطيع توجيهها فنيًا بكفاءة.
ازدواجية رقابية وبطء في القرار
وأشار الشافعي إلى أن وزارة قطاع الأعمال مثلت في كثير من الأحيان حالة من ازدواجية الرقابة، إذ ظلت الشركات عالقة بين تبعيتها الإدارية للوزارة وأهدافها الفنية التي تضعها وزارات أخرى، وهو ما تسبب في تعقيد الإجراءات وتأخر الاستجابة لمتغيرات السوق.
وأضاف أن الوزارة أدت دورًا مهمًا في مراحل سابقة، خاصة فيما يتعلق بحصر الأصول وتطوير بعض الأطر التشريعية، إلا أن استمرارها في مرحلة التشغيل والانطلاق الحالية أصبح عبئًا بيروقراطيًا يعرقل سرعة اتخاذ القرار ويحد من مرونة الشركات.
نموذج جديد لإدارة الشركات
وبحسب الخبير الاقتصادي، فإن النموذج الأنسب في المرحلة الراهنة يتمثل في خضوع الشركات للتبعية الفنية للوزارات المختصة، مع وجود رقابة مالية مركزية، وهو ما يجري تطبيقه حاليًا من خلال وحدة إدارة الشركات المملوكة للدولة، المنشأة بموجب القانون رقم 170 لسنة 2026.
وأوضح أن هذا النموذج يتشابه مع تجارب دولية ناجحة مثل سنغافورة والصين، حيث تتبع الشركات الجهات التي تمتلك الخبرة الفنية، بينما تتولى جهة مركزية تقييم الأداء المالي والمحاسبة على الأرباح والخسائر، بما يضمن الحفاظ على المال العام دون التدخل في الإدارة التشغيلية اليومية.
سيناريوهات ما بعد الإلغاء
وعن السيناريو المتوقع بعد إلغاء الوزارة، رجّح الشافعي حدوث تحسن تدريجي في أداء الشركات، شريطة جودة اللائحة التنفيذية للقانون الجديد. وأشار إلى أن الأشهر الستة الأولى قد تشهد بعض الارتباك نتيجة نقل الملفات والهياكل الإدارية، إلا أن هذه المرحلة ستكون مؤقتة، يعقبها تحقيق وفورات حجم وتكامل أفضل بين الجهات المختلفة.
وضرب مثالًا بشركات المقاولات التابعة لقطاع الأعمال، والتي من المنتظر أن تعمل تحت مظلة وزارة الإسكان بالتكامل مع هيئة المجتمعات العمرانية، ما يسهم في إنهاء تضارب المشروعات وتحقيق كفاءة أعلى في التنفيذ.
كيف تمنع عودة الخسائر؟
وحول المخاوف من تكرار مسلسل الخسائر بعد نقل التبعية، أكد أن الضمانة الأساسية تكمن في طريقة عمل وحدة إدارة الشركات المملوكة للدولة، مشددًا على ضرورة أن تتعامل هذه الوحدة بمنطق المستثمر لا الموظف.
وأوضح أن ذلك يتطلب تطبيق معايير المحاسبة الدولية بدقة، ووضع مؤشرات أداء واضحة لمجالس الإدارات، إلى جانب تفعيل وثيقة سياسة ملكية الدولة، لتحديد توقيتات التخارج أو الاستمرار في النشاط، وفقًا لاعتبارات اقتصادية واضحة.
ويعكس القرار، في مجمله، تحولا في دور الدولة من الإدارة المباشرة إلى الحوكمة والرقابة، وهو تحول يحمل فرصا كبيرة لتحسين كفاءة شركات القطاع العام، لكنه في الوقت نفسه يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي في قدرتها على التنفيذ والانضباط المؤسسي

التعليقات